فخر الدين الرازي

3

تفسير الرازي

والقول الثاني : أن المراد من شرح الصدر ما يرجع إلى المعرفة والطاعة ، ثم ذكروا فيه وجوهاً أحدها : أنه عليه السلام لما بعث إلى الجن والإنس فكان يضيق صدره عن منازعة الجن والإنس والبراءة من كل عابد ومعبود سوى الله ، فآتاه الله من آياته ما اتسع لكل ما حمله وصغره عنده كل شيء احتمله من المشاق ، وذلك بأن أخرج عن قلبه جميع الهموم وما ترك فيه إلا هذا الهم الواحد ، فما كان يخطر بباله هم النفقة والعيال ، ولا يبالي بما يتوجه إليه من إيذائهم ، حتى صاروا في عينه دون الذباب لم يجبن خوفاً من وعيدهم ، ولم يمل إلى مالهم ، وبالجملة فشرح الصدر عبارة عن علمه بحقارة الدنيا وكما الآخرة ، ونظيره قوله : * ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ) * وروى أنهم قالوا : يا رسول الله أينشرح الصدر ؟ قال : نعم ، قالوا : وما علامة ذلك ؟ قال : " التجافي عن الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإعداد للموت قبل نزوله " وتحقيق القول فيه أن صدق الإيمان بالله ووعده ووعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والاستعداد للموت وثانيها : أنه انفتح صدره حتى أنه كان يتسع لجميع المهمات لا يقلق ولا يضجر ولا يتغير ، بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر مشتغل بأداء ما كلف به ، والشرح التوسعة ، ومعناه الإراحة من الهموم ، والعرب تسمى الغم والهم ضيق صدر كقوله : * ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك ) * وههنا سؤالات : الأول : لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب ؟ والجواب : لأن محل الوسوسة هو الصدر على ما قال : * ( يوسوس في صدور الناس ) * فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح ، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب ، وقال محمد بن علي الترمذي : القلب محل العقل والمعرفة ، وهو الذي يقصده الشيطان ، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب ، فإذا وجد مسلكاً أغار فيه ونزل جنده فيه ، وبث فيه من الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة ، وإذا طرد العدو في الابتداء منع وحصل الأمن ويزول الضيق وينشرح الصدر ويتيسر له القيام بأداء العبودية . السؤال الثاني : لم قال : * ( ألم نشرح لك صدرك ) * ولم يقل ألم نشرح صدرك ؟ والجواب : من وجهين أحدهما : كأنه تعالى يقول لام بلام ، فأنت إنما تفعل جميع الطاعات لأجلي كما قال : * ( لا ليعبدون ، أقيم الصلاة لذكرى ) * فأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك وثانيها : أن فيها تنبيهاً على أن منافع الرسالة عائدة إليه عليه السلام ، كأنه تعالى قال : إنما شرحنا صدرك لأجلك لا لأجلي . السؤال الثالث : لم قال : * ( ألم نشرح ) * ولم يقل ألم أشرح ؟ والجواب : إن حملناه على نون التعظيم ، فالمعنى أن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة ، فدل ذلك على أن ذلك الشرح نعمة لا تصل العقول إلى كنه جلالتها ، وإن حملناه على نون الجميع ، فالمعنى كأنه تعالى يقول : لم أشرحه وحدي بل أعملت فيه ملائكتي ، فكنت ترى الملائكة حواليك وبين يديك حتى يقوي قلبك ، فأديت